عبد الرحمن بن ناصر السعدي

35

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ 1 ] بِسْمِ اللَّهِ أي : أبتدئ بكل اسم للّه تعالى ، لأن لفظ « اسم » مفرد مضاف ، فيعم جميع الأسماء الحسنى . اللَّهِ هو المألوه المعبود ، المستحق لإفراده بالعبادة ، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء ، وعمت كل حي ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله . فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة ، ومن عداهم ، فله نصيب منها . واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ، الإيمان بأسماء اللّه وصفاته ، وأحكام الصفات ، فيؤمنون مثلا ، بأنه رحمن رحيم ، ذو الرحمة التي اتصف بها ، المتعلقة بالمرحوم ، فالنعم كلها ، أثر من آثار رحمته ، وهكذا في سائر الأسماء . يقال في العليم : إنه عليم ذو علم ، يعلم به كل شيء ، قدير ، ذو قدرة يقدر على كل شيء . [ 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ هو الثناء على اللّه بصفات الكمال ، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل ، فله الحمد الكامل ، بجميع الوجوه . رَبِّ الْعالَمِينَ الرب ، هو المربي جميع العالمين ، وهم من سوى اللّه ، بخلقه إياهم ، وإعداده لهم الآلات ، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة ، التي لو فقدوها ، لم يمكن لهم البقاء ، فما بهم من نعمة ، فمنه تعالى . وتربيته تعالى لخلقه نوعان : عامة وخاصة . فالعامة : هي خلقه للمخلوقين ، ورزقهم ، وهدايتهم لما فيه مصالحهم ، التي فيها بقاؤهم في الدنيا . والخاصة : تربيته لأوليائه ، فيربيهم بالإيمان ، ويوفقهم له ، ويكملهم ، ويدفع عنهم الصوارف ، والعوائق الحائلة بينهم وبينه ، وحقيقتها : تربية التوفيق لكل خير ، والعصمة من كل شر ، ولعل هذا المعنى ، هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب ، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة . فدل قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ على انفراده بالخلق والتدبير ، والنعم وكمال غناه ، وتمام فقر العالمين إليه ، بكل وجه واعتبار . [ 4 ] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) المالك : هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أن يأمر وينهى ، ويثيب ويعاقب ، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات ، وأصناف الملك ليوم الدين ، وهو يوم القيامة ، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم ، خيرها وشرها ، لأن في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور ، كمال ملكه وعدله وحكمته ، وانقطاع أملاك الخلائق ، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم الملوك والرعايا والعبيد والأحرار ، كلهم مذعنون لعظمته ، خاضعون لعزته منتظرون لمجازاته ، راجون ثوابه ، خائفون من عقابه ، فلذلك خصه بالذكر ، وإلا ، فهو المالك ليوم الدين وغيره من الأيام . وقوله : [ 5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) أي : نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة ، لأن تقديم المعمول يفيد